- within Food, Drugs, Healthcare, Life Sciences, Employment and HR and Family and Matrimonial topic(s)
تُعد جمعيات الأعمال من الركائز الأساسية الداعمة للنمو الاقتصادي، إلا أن الأنشطة التي تمارسها قد تثير في الوقت ذاته اعتبارات قانونية جوهرية تتعلق بحماية المنافسة.
وقد أصبحت اعتبارات المنافسة تحتل مكانة متزايدة الأهمية في إطار أنشطة جمعيات الأعمال، باعتبارها تمثل منصة تجمع بين المتعاملين في السوق، وتؤدي دورًا محوريًا في تشكيل الممارسات التجارية داخل مختلف القطاعات الاقتصادية.
ورغم أن جمعيات الأعمال تسهم في دعم النمو الاقتصادي من خلال تمثيل مصالح أعضائها، وتعزيز أوجه التعاون بينهم، ودعم تطوير القطاعات التي ينتمون إليها، فإن بعض أنشطتها قد تثير مخاوف في ضوء أحكام القانون رقم ٣ لسنة ٢٠٠٥ بشأن حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية. فبحكم جمعها لمنشآت تعمل في السوق ذاتها، وتأثيرها في بعض الأحيان على العلاقات القائمة بين الأطراف العاملة في المراحل المختلفة لسلسلة التوريد، قد تؤدي أنشطتها، ولو بصورة غير مقصودة، إلى تيسير ممارسات من شأنها الإخلال بقواعد المنافسة.
ولا تقتصر المخاطر المرتبطة بجمعيات الأعمال على صور الاتفاقات الأفقية التقليدية بين المنافسين، بل تمتد أيضًا إلى التأثير في العلاقات الرأسية داخل سلسلة التوريد، وتيسير تبادل المعلومات ذات الحساسية التجارية، واعتماد قواعد أو سياسات قد تؤثر في دخول الأسواق أو في مبدأ حياد المنافسة أو في كفاءة عمل الأسواق بوجه عام.
ومن ثم، يتعين على جمعيات الأعمال وأعضائها التأكد من أن المبادرات الجماعية، والقرارات الداخلية، والممارسات القطاعية التي يتبنونها تتوافق مع مبادئ المنافسة الحرة وأحكام قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية.
مخاطر المنافسة الناشئة عن أنشطة جمعيات الأعمال
تضطلع جمعيات الأعمال بدور مهم في تمثيل مصالح أعضائها ودعم تنمية مختلف القطاعات الاقتصادية. إلا أن طبيعة هذه الكيانات، التي تجمع غالبًا منشآت تتنافس داخل السوق ذاتها، قد تؤدي إلى إثارة إشكالات تتعلق بتطبيق أحكام قانون حماية المنافسة.
وتندرج المخاطر التنافسية المرتبطة بجمعيات الأعمال، بوجه عام، ضمن ثلاث فئات رئيسية، هي: الاتفاقات الأفقية بين المنافسين، والقيود الرأسية التي تؤثر في العلاقات القائمة بين أطراف سلسلة التوريد، والقواعد أو التدابير التنظيمية الداخلية التي قد تؤدي إلى تشويه المنافسة أو الإخلال بمبدأ حياد المنافسة.
وعليه، يجب على جمعيات الأعمال وأعضائها الحرص على ألا تؤدي المبادرات الجماعية أو الممارسات القطاعية إلى التأثير في استقلال القرارات التجارية للأعضاء أو إلى تقييد المنافسة في السوق. كما يتعين أن تظل الأنشطة الجماعية موجهة لتحقيق أهداف قطاعية مشروعة، دون المساس بآليات المنافسة التي يكفلها قانون حماية المنافسة.
أولاً: الاتفاقات الأفقية
نظرًا لأن جمعيات الأعمال تجمع في كثير من الأحيان منشآت متنافسة، فإن أبرز المخاطر المرتبطة بها تتمثل في الاتفاقات الأفقية المحظورة بموجب المادة السادسة من قانون حماية المنافسة.
وقد تتخذ هذه الاتفاقات صورًا متعددة، من بينها التنسيق بشأن الأسعار، أو تقسيم الأسواق، أو التواطؤ في المناقصات والمزايدات، أو فرض قيود على الإنتاج أو التوزيع. وتؤدي هذه الممارسات إلى الإخلال بالمبدأ الأساسي الذي يقضي بأن تتخذ كل منشأة قراراتها التجارية بصورة مستقلة ودون تنسيق مع منافسيها.
وتزداد هذه المخاطر خلال الاجتماعات أو اللجان الفنية أو مجموعات العمل التي تنظمها جمعيات الأعمال، حيث قد تمتد المناقشات إلى موضوعات ذات حساسية تجارية، مثل الأسعار، والتكاليف، وأحجام الإنتاج، والحصص السوقية، وبيانات العملاء، أو الخطط والاستراتيجيات التجارية المستقبلية. وحتى في غياب اتفاق صريح، فإن تبادل هذا النوع من المعلومات قد يؤدي إلى تقليص حالة عدم اليقين في السوق، بما يسهل التنسيق بين المنافسين.
ولا تقتصر المخاطر على الاتصالات المباشرة بين المنافسين، بل قد يتم تبادل المعلومات الحساسة بصورة غير مباشرة من خلال وسيط، ومن ذلك جمعيات الأعمال ذاتها، فيما يُعرف بترتيبات “المحور والأطراف” (Hub-and-Spoke Arrangements). ومن ثم، قد تخضع الجمعية للمساءلة إذا قامت بتيسير تبادل المعلومات التجارية الحساسة أو أسهمت بأي صورة في تمكين أعضائها من الانخراط في ممارسات مخالفة لقواعد المنافسة.
ولذلك، يتعين على جمعيات الأعمال توخي أعلى درجات الحيطة عند تنظيم الاجتماعات، أو تشكيل مجموعات العمل، أو تنفيذ أي مبادرات لتبادل المعلومات بين الأعضاء.
ثانيًا: الاتفاقات الرأسية
ورغم أن المخاطر الأساسية المرتبطة بجمعيات الأعمال تتعلق بالتنسيق الأفقي بين المنافسين، فإن أنشطتها قد تؤثر كذلك في العلاقات التجارية بين المنشآت العاملة في مستويات مختلفة من سلسلة التوريد، بما قد يثير القيود الرأسية المنصوص عليها في المادة السابعة من قانون حماية المنافسة.
وتنشأ الاتفاقات الرأسية عادةً في العلاقات التي تربط المصنعين والموردين والموزعين وتجار التجزئة. ورغم أن هذه الترتيبات قد تحقق مزايا اقتصادية وتسهم في تحسين توزيع السلع والخدمات، فإن بعض القيود التي تتضمنها قد يكون لها أثر ضار بالمنافسة.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك فرض أسعار إعادة البيع، أو تقييد المبيعات السلبية خارج الأقاليم أو فئات العملاء المخصصة. ولذلك، ينبغي على جمعيات الأعمال التأكد من أن توصياتها، أو شروط العضوية التي تضعها، أو سياساتها الداخلية، لا تمس الاستقلال التجاري لأعضائها، ولا تؤدي إلى تشويه المنافسة داخل سلسلة التوريد.
وعليه، يتعين على الجمعيات تقييم سياساتها وممارساتها القطاعية بعناية، للتأكد من أنها لا تؤثر، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في العلاقات التجارية بين أطراف السوق على نحو يفضي إلى تقييد المنافسة.
ثالثًا: حياد المنافسة والمخاطر التنظيمية
لا يقتصر دور جمعيات الأعمال على تعزيز التعاون بين المتعاملين في السوق، بل تمارس في العديد من القطاعات وظائف تنظيمية من خلال وضع شروط العضوية، واعتماد المعايير المهنية أو الفنية، والإشراف على إجراءات الترخيص، وإصدار اللوائح والقواعد الداخلية، وهي جميعها تدابير قد يكون لها تأثير ملموس في هيكل السوق وديناميكياته. ومن ثم، يتعين أن تتوافق هذه التدابير مع مبادئ المنافسة وحياد المنافسة.
ويقصد بحياد المنافسة ضمان تنافس جميع المتعاملين في السوق على قدم المساواة، بصرف النظر عن حجمهم أو هيكل ملكيتهم أو مركزهم السوقي. ومن ثم، فإن أي تدابير تمنح مزايا غير مبررة لبعض المنشآت، أو تفرض عوائق غير لازمة أمام دخول السوق، أو تيسر التنسيق بين المنافسين، من شأنها أن تؤدي إلى تشويه المنافسة والإضرار بكفاءة الأسواق.
وعمليًا، تظهر المخاوف المتعلقة بالمنافسة في ثلاث حالات رئيسية.
أولاً، ينبغي على جمعيات الأعمال الامتناع عن تبني قواعد تؤدي إلى تعزيز المراكز السوقية للمنشآت القائمة أو فرض قيود غير مبررة على دخول المنافسين الجدد إلى السوق. كما يجب أن تكون شروط العضوية، ومتطلبات الترخيص، والمعايير القطاعية موضوعية، ومتناسبة، وشفافة، وألا تتيح للمنشآت القائمة التأثير في قبول المنافسين أو توسعهم داخل السوق.
ثانيًا، قد تؤدي السياسات الداخلية، دون قصد، إلى تيسير التواطؤ بين المنافسين، وذلك من خلال إتاحة الفرصة لتنسيق استراتيجياتهم التجارية. وتنشأ هذه المخاطر، على سبيل المثال، عندما تقوم الجمعية بجمع معلومات ذات حساسية تجارية، أو إصدار توصيات تتعلق بالأسعار أو بالسلوك التجاري، أو اعتماد معايير تؤثر في الإنتاج أو التوزيع أو المشاركة في السوق.
ثالثًا، يتعين على جمعيات الأعمال ضمان عدم تمييز قواعدها بين المتعاملين في السوق. فاختلاف شروط العضوية دون مبرر، أو منح بعض الأعضاء مزايا تفضيلية في الوصول إلى الفرص التجارية، أو اعتماد معايير تصب في مصلحة منتجات أو منشآت بعينها، كلها ممارسات قد تخل بمبدأ حياد المنافسة وتؤدي إلى تشويه البيئة التنافسية.
ومن ثم، فإن الحفاظ على أطر تنظيمية تتسم بالموضوعية والشفافية وعدم التمييز يعد أمرًا جوهريًا لضمان احترام مبدأ حياد المنافسة، وتكافؤ الفرص بين جميع المتعاملين في السوق.
التدابير العملية للامتثال لقانون حماية المنافسة
في ضوء المخاطر التنافسية المرتبطة بأنشطة جمعيات الأعمال، يصبح اعتماد آليات فعالة للامتثال أمرًا ضروريًا لضمان بقاء أوجه التعاون بين الأعضاء في الحدود التي يرسمها القانون رقم ٣ لسنة ٢٠٠٥ بشأن حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية. ومن ثم، ينبغي على جمعيات الأعمال وضع إجراءات داخلية تكفل الحفاظ على استقلال القرارات التجارية لأعضائها، والحد من احتمالات الانخراط في ممارسات منافية لقواعد المنافسة.
ومن أبرز التدابير الواجب مراعاتها ما يلي:
- الاجتماعات والملتقيات القطاعية: ينبغي أن تُعقد الاجتماعات وفق جدول أعمال محدد وواضح يتم تعميمه مسبقًا على المشاركين، مع إعداد محاضر دقيقة تثبت موضوعات المناقشة وأي اعتراضات يبديها الحاضرون. كما يجب الامتناع عن مناقشة الموضوعات ذات الحساسية التنافسية، مثل الأسعار، والعملاء، والحصص السوقية، وكميات الإنتاج، أو الاستراتيجيات التجارية المستقبلية.
- تبادل المعلومات: يجب أن تقتصر المعلومات المتبادلة بين الأعضاء على البيانات المجمعة، والمجهلة الهوية، وذات الطبيعة التاريخية، بما يضمن عدم استخدامها في تسهيل التنسيق أو التعاون غير المشروع بين المنشآت المتنافسة.
- القرارات والتوصيات الداخلية: ينبغي على جمعيات الأعمال الامتناع عن إصدار توصيات أو اعتماد سياسات من شأنها التأثير في الأسعار، أو مستويات الإنتاج، أو تقسيم الأسواق، أو أي من عناصر المنافسة الأخرى التي يتعين أن تظل خاضعة للقرار المستقل لكل منشأة.
- المناقصات وإجراءات التعاقد: يجب أن تظل العطاءات والعروض المقدمة في إطار المناقصات أو إجراءات الشراء سرية بصورة كاملة، مع امتناع المنشآت المتنافسة عن تبادل أي معلومات أو إجراء أي مناقشات تتعلق باستراتيجيات المشاركة، أو الأسعار، أو المقترحات الفنية.
- الامتثال والحوكمة: يتعين على جمعيات الأعمال اعتماد سياسات داخلية خاصة بالامتثال لقواعد المنافسة، إلى جانب تنظيم برامج تدريبية دورية تهدف إلى تعزيز الوعي بأحكام قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية وترسيخ الالتزام بها.
كما ينبغي توخي عناية خاصة عند إعداد الدراسات السوقية، أو المقارنات المرجعية (Benchmarking)، أو الاستبيانات والمسوح القطاعية، بحيث لا تؤدي هذه الأدوات إلى تمكين المنشآت المتنافسة من استشراف السلوك التجاري المستقبلي لبعضها البعض، أو إلى تيسير تبادل المعلومات ذات الحساسية التجارية.
وفي النهاية، فإن وجود منظومة فعالة للامتثال يُعد عنصرًا أساسيًا لتمكين جمعيات الأعمال من تحقيق أهدافها الجماعية المشروعة، مع الالتزام في الوقت ذاته بالحدود والضوابط التي يفرضها قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية.
The content of this article is intended to provide a general guide to the subject matter. Specialist advice should be sought about your specific circumstances.
[View Source]